ابراهيم بن عمر البقاعي
14
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
جدا ، أظهرها أنه تسوية المملوك الذي ليس له من ذاته إلا العدم نعمة منه أصلا بالمالك الذي له وجوب الوجود ، فلا خير ولا نعمة إلا منه ، وفي هذا تنبيه لقريش وكل سامع على أن هذه وصية لا يعدل عنها ، لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه محبوب ، وأن آباءهم لو كانوا حكماء ما فعلوا إلا ذلك ، لأنه يترتب عليها ما عليه مدار النعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية ، العاجلة والآجلة ، وهو الأمن والهداية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأنعام : 82 ] فإنه لما نزلت تلك الآية كما في صحيح البخاري في غير موضع عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه شق ذلك على الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم فقالوا : أيّنا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنه ليس بذاك ، ألم تسمع إلى قول لقمان إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » « 1 » . ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في إيجاده أحد ، وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة والبشاعة ، أتبعه سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه بكونه جعله سبب وجود الولد اعترافا بالحق وإن صغر لأهله وإيذانا بأنه لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس ، وتفخيما لحق الوالدين ، لكونه قرن عقوقهما بالشرك ، وإعلاما بأن الوفاء شيء واحد متى نقص شيء منه تداعى سائره كما في الفردوس عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لو أن العبد لقي اللّه بكمال ما افترض عليه ما خلا بر الوالدين ما دخل الجنة ، وإن بر الوالدين لنظام التوحيد والصلاة والذكر » « 2 » ولذلك لفت الكلام إلى مظهر العظمة ترهيبا من العقوق ورفعا لما لعله يتوهم من أن الانفصال عن الشرك لا يكون إلا بالإعراض عن جميع الخلق . ولما قد يخيله الشيطان من أن التقيد بطاعة الوالد شرك ، مضمنا تلك الوصية إجادة لقمان عليه السّلام في تحسين الشرك وتقبيح الشرك لموافقته لأمر رب العالمين ، وإيجاب امتثال ابنه لأمره ، فقال مبينا حقه وحق كل والد غيره ، ومعرفا قباحة من أمر ابنه بالشرك لكونه منافيا للحكمة التي أبانها لقمان عليه السّلام ، وتحريم امتثال الابن لذلك ووجوب مخالفته لأبيه فيه تقديما لأعظم الحقين ، وارتكابا لأخف الضررين : وَوَصَّيْنَا أي قال لقمان ذلك لولده نصحا له والحال أنا بعظمتنا وصينا ولده به بنحو
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 1 / 378 و 424 و 444 والبخاري 32 و 3428 و 3429 و 4629 مسلم 124 والترمذي 3067 وابن حبان 253 والبيهقي 10 / 185 والطبري 7 / 255 عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه . ( 2 ) أخرجه الديلمي في الفردوس 5087 من حديث علي بهذا اللفظ وإسناده ضعيف ، وقد عزاه المصنف لأبي الدرداء مرفوعا ولم أره من حديثه .